هشام جعيط
296
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
وكانت هذه الحمامات أيضا أماكن استراتيجية من المقام الأول ، حيث عسكرت فيها عدة جيوش ، وأقيمت فيها المرافق بحيث تحولت تلك الأماكن إلى منشآت مدنية أو شبه مدنية . تذكر المصادر أن عمر بن سعد عندما حاول « الخروج » من المدينة حين طارده المختار ، لجأ إلى حمّامه ، فدخله ثم عاد وقتل « 1 » . وحدده أبو مخنف تحديدا أدق ضمن روايته بخصوص شبيب ، فجعله يقع بعد مكان يعرف بقبين وقبل قصر ابن هبيرة ( العتيد ) « 2 » . وأخيرا ، فلما أمر الحجاج ، بعد ثورة ابن الأشعث ، برحيل الجيش النظامي أي « ضرب البعث » ، وهو الجيش المتكون من أهل الكوفة ، عسكر الجميع بحمام عمر . واستخدم حمام أعين كمعسكر - وأعين أحد موالي بشر بن مروان « 3 » أصبح من موالي الحجاج - وكمكان للاستراحة وكمرحلة أولى بعد الخروج من الكوفة . وكذلك استعمله ابن الأشتر في طريقه إلى الجزيرة « 4 » ، وعتّاب بن ورقاء عند خروجه لملاقاة شبيب « 5 » ، وشبيب نفسه « 6 » . وورد ذكره صراحة بأنه يقع على الصّراة « 7 » . ويبدو أن الموقع الخارجي لبعض الحمامات كان من خاصيات الكوفة . لكنها بقيت كما في البصرة ، من نصيب أناس مقربين من الحكم ، سواء كانوا عربا أو موالي ، وكانت السلطة هي التي تأذن بالاستغلال . فيقابل عمر بن سعد وعمرو بن حريث في البصرة عبد اللّه بن عثمان بن أبي العاص ومسلم بن أبي بكرة ، ويطابق أعين شخص فيل وهو من موالي زياد ، وقد تسمى باسمه باب الفيل في الكوفة . ومن المعلوم أيضا أنه كان في أول الأمر للحمامات مداخيل كبيرة وكبيرة جدا في البصرة ، بلغت 1000 درهم في اليوم ، فساعد ذلك على انتشارها . وقد عرف أصحاب الحمامات في الكوفة كيف يحافظون على شبه الاحتكار الذي كانوا يتمتعون به ، وكان ذلك أحد النشاطات التجارية النادرة التي تعاطاها أشراف الكوفة .
--> ( 1 ) الطبري ، ج 6 ، ص 61 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ج 6 ، ص 236 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ج 6 ، ص 242 . ( 4 ) المرجع نفسه ، ص 82 . ( 5 ) المرجع نفسه ، ص 260 . ( 6 ) المرجع نفسه ، ص 268 . ( 7 ) المرجع نفسه ، ص 261 .